فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
كاملا في القبح ، وظلم النفس : هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الانسان به . والثاني : أن الفاحشة هي الكبيرة ، وظلم النفس . هي الصغيرة ، والصغيرة يجب الاستغفار منها ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاستغفار وهو قوله : * ( واستغفر لذنبك ) * ( محمد : 19 ) وما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل . الثالث : الفاحشة : هي الزنا ، وظلم النفس : هي القبلة واللمسة والنظرة ، وهذا على قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه ، ولأنه تعالى سمى الزنا فاحشة ، فقال تعالى : * ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ) * ( الإسراء : 32 ) . أما قوله : * ( ذكروا الله ) * ففيه وجهان : أحدهما : أن المعنى ذكروا وعيد الله أو عقابه أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه ، فيكون من باب حذف المضاف ، والذكر ههنا هو الذي ضد النسيان وهذا معنى قول الضحاك ، ومقاتل ، والواقدي ، فان الضحاك قال : ذكروا العرض الأكبر على الله ، ومقاتل ، والواقدي . قال : تفكروا أن الله سائلهم ، وذلك لأنه قال : بعد هذه الآية * ( فاستغفروا لذنوبهم ) * وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر ، والنتيجة لذلك : الذكر ، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله ، ونهيه ووعيده ، ونظير هذه الآية قوله : * ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) * ( الأعراف : 201 ) والقول الثاني : أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والاجلال ، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة ، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله ، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى ، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب . ثم قال : * ( فاستغفروا لذنوبهم ) * والمراد منه الاتيان بالتوبة على الوجه الصحيح ، وهو الندم على فعل ما مضى مع العز على ترك مثله في المستقبل ، فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان ، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ، ولاظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ، وقوله : * ( لذنوبهم ) * أي لأجل ذنوبهم . ثم قال : * ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) * والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه ، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه ، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه . ثم قال : * ( ولم يصروا على ما فعلوا ) * واعلم أن قوله : * ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) * جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتقدير : فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا . وقوله : * ( وهم يعلمون ) * فيه وجهان : الأول : أنه حال من فعل الاصرار ، والتقدير : ولم يصروا